السبت، 11 نوفمبر 2023

دستور الحوار


الغالب على حواراتنا اليومية التي تتخذ شكل المناظرة، أي تبني كل طرف لموقف مخالف للآخر ومحاولة اقناعه برأيه، سواء كانت في البيت أو المقهى؛ العمل أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؛ بل حتى على شاشات التلفاز بين أشخاص يفترض في الغالب أن يكونوا ذوي وعي أعلى من الغوغاء؛ الغالب على هذه الحوارات أنها مجدبة، فسرعان ما تتحول إلى معركة تستخدم فيها عضلات اللسان بدل عضلات الساعد، وتستعمل فيها اللغة بدل الأسلحة البيضاء والنارية، ويكون الهدف فيها مشتركا بين المتحاورين والجنود المقاتلين على أرض معركة حقيقية: هزيمة الخصم وإذلاله والفوز بالحرب مهما كانت الوسيلة إلى ذلك.تلك هي خطيئة المتحاورين: محاولة إثبات صحة موقفهم مهما كلفهم الأمر، دون أي اعتبار للحقيقة أو التزام بأخلاق البحث وآداب الإختلاف، فيستحيل الحوار من محاولة لحل النزاع وتقريب وجهات النظر، و التعلم من الآخرين أو تعليمهم، إلى حوار طرشان وملاسنة تليق بالضرائر.لكن ما العمل من أجل تلافي مثل هذه الظاهرة؟ وما القواعد التي يجب أن يلتزم بها المتحاورون من أجل نقاش مثمر؟في الواقع، هناك قواعد أو مبادئ متى ما تم الإلتزام بها، تحسنت ظروف الحوار وارتفعت إمكانية وصوله إلى نهاية مثمرة. لذلك يجب على الجميع أن يتقيد بها ليس فقط خلال النقاش مع المخالفين، بل حتى خلال التفكير الشخصي حول مسألة ما. هذه القواعد ستضمن للمرء الوصول إلى أفضل رأي يمكن تبنيه، والحصول على أفضل الحجج التي تسانده، وتقديم أفضل الردود على حجج المخالف.هذه المبادئ هي:



1- مبدأ عدم العصمة (القابلية للخطأ) : (Fallibility Priciple)

  مبدئيا، ينبغي على كل طرف من الأطراف المختلفة في نقاش ما، أن يكون مقرا باحتمال أن يكون موقفه هو الموقف الخاطئ؛ أو أن تكون الحجة التي تسند موقفه هي الحجة الأضعف مقارنة مع الموقف الآخر أو المواقف الأخرى.

2- مبدأ السعي للوصول إلى الحقيقة : (Truth-Seeking Principle)

  على كل طرف أن يكون ملتزما، بشكل جاد، بالبحث عن الحقيقة أو عن الموقف الذي تسنده الحجة الأقوى. بناء على ذلك، على المرء أن يكون مستعدا لفحص الآراء المخالفة بروح موضوعية جادة، وأن يقبل أي حكمة يجدها عند المخالف، وأن يكون منفتحا على سماع حجة الخصم وعلى الإنصات إلى اعتراضاته على حججنا.



3- مبدأ الوضوح وعدم الإلتباس : (Clarity Principle) 

 عندما يقوم المرء بصياغة موقفه، عليه أن يحرص على أن يكون خاليا، قدر الإمكان، من أي التباس لغوي، وأن يحدد معالمه بحيث لا يكتنفه الكثير من الغموض، ولا يتم خلطه بسهولة مع مواقف أخرى.



4- مبدأ عبء الإثبات: (Burden-of-Proof Principle)

        على من يتبنى رأيا ما، أو يتخذ موقفا معينا، أن يكون قادرا على إثباته بالدليل والحجة عندما يُطلب منه ذلك. وعليه، يكون دليل الإثبات متقدما على دليل النفي، فلا يعتمد أحد في إثبات موقفه على عدم قدرة خصمه على نفيه، ففي الغالب تعتمد قدرة الخصم في النفي على نقد حجج الإثبات ذاتها؛ فإن غابت الأخيرة، كان غياب الأولى أَوْلَى.


(يستثنى من هذا الحقائق البدهية الضرورية، فإنكارها لزعم عدم وجود دليل مستقل عنها يثبتها يقود إلى السفسطة وهدم إمكانية المعرفة).





5- مبدأ الإحسان : (ِCharity Principle)

       عند إعادة صياغة حجة الخصم أو عرضها للنقد، يجب الحرص على التعبير عنها في أقوى نسخة ممكنة منها، متوافقة مع ما يعتقد أنه قصد صاحب الحجة في الأصل. وفي حال وجود شكوك بخصوص نيته أو بخصوص أي جزء تتضمنه تلك الحجة، يجب عندها على المخالف إحسان الظن بخصمه وإعطائه الفرصة لإعادة صياغة حجته إذا تطلب الأمر ذلك.



6- مبدأ الصحة الصورية : (Structural Principle)

 عند صياغة الحجة، يجب الحرص على خلوها من أخطاء في بنائها الصوري، مثل الإعتماد على مقدمات تناقض بعضها البعض، أو تتناقض مع النتيجة، أو مقدمات تفترض صحة النتيجة سواءا بصورة ظاهرة أو مبطنة (المصادرة على المطلوب). أيضا، يجب تجنب استعمال أي نوع من القياس الباطل. (لتلبية شروط هذا المبدأ بصورة أكثر فعالية، يجب على المرء أن يحوز على معرفة لا بأس بها حول المغالطات الصورية، مثل: المصادرة على المطلوب، الدور، إثبات التالي، إنكار المقدم، عدم استغراق الحد الأوسط...إلخ) 





7- مبدأ الإرتباط : (Relevance Principle) 


على المرء الحرص خلال الحوار على البقاء في صلب الموضوع، ولذلك ينبغي عليه ألاّ يقدم سوى أدلة تقود إلى إثبات صحة موقفه أو خطأ موقف خصمه، أو الكلام فيما له صلة بذلك. وبناء عليه، ينبغي على المرء أن يحرص على عدم التشعيب والمشاغبة، وفتح مواضيع أخرى غير ذات صلة مباشرة بموضوع الحوار. 





8- مبدأ الإستحسان : (Acceptability Principle)


 الأدلة والحجج المقدمة يجب أن تكون من جنس تلك التي يقبلها عادة أشخاص عاقلون وناضجون، فيجب أن تكون مبنية على مقدمات بدهية أو مقدمات نظرية هي محل قبول وإجماع عند الفئة المعنية، أو على الأقل أن لا تكون الإعتراضات الموجهة إليها ذات بال، ولا تكون محل نزاع كبير بين أهل الاختصاص، أو بين صاحب الحجة والمخالفين، وكذلك أن تكون خالية من الالتباس والغموض اللغويين، أي أن تكون محكمة من الناحية اللغوية.





9- مبدأ الكفاية : (Sufficiency Principle)


  على صاحب الموقف أن يحرص على استوفائه للشروط المذكورة سابقا، خصوصا في المبدأين 7 و 8، وأن يتوفر على حجج وأدلة تكون كافية، سواء من ناحية العدد أو من ناحية القوة الدلالية على صحة موقفه أو بطلان موقف الخصم. 





10- مبدأ الرد : (Rebuttal Principle)


 لا ينبغي الاكتفاء فقط بتقديم الحجج الداعمة لموقف ما أو المعترضة على موقف آخر، بل يجب ارفاقها بردود قوية على أهم ما يمكن توقعه من اعتراضات المخالفين عليها.





11- مبدأ التوقف عن الحكم : (Suspension-of-Judgment Principle) 


     في حال عدم حيازة أي طرف لحجج مقنعة، أو في حال توفر كل الأطراف على حجج بنفس القوة، ينبغي على المرء حينها أن يتوقف عن إصدار أي حكم حول الموضوع. أما إذا تطلبت الظروف الواقعية إتخاذ موقف، عندها، ينبغي الموازنة بين المنافع والمضار المتأتية من اتخاذ أي موقف أو عدم اتخاذ أي موقف، ثم إصدار قرار بناء على ذلك.

12- مبدأ الحسم : (The Resolution Principle)

      يعتبر النقاش محسوما ومنتهيا إذا قدم أحد الأطراف حجة تدعم موقفه، بحيث تكون هذه الحجة سليمة (valid) في بنائها الصوري، وتتكون من مقدمات ذات صلة بالموضوع، وتستوفي شروط الاستحسان المذكورة، بالإضافة إلى كونها في مجموعها كافية لتبرير النتيجة النهائية (موقف صاحب الحجة)، وأن تتوفر الحجة أيضا على ردود كافية لدفع أهم اعتراضات ونقود المخالفين. 
                







السبت، 19 مارس 2016

السيلماريليون 2





  عندها تكلم إيلوفاتار وقال:
عظماء هم الأينور، والأعظم من بينهم هو ميلكور. لكن فليعلم هو وجميع الآينور أني أنا، إيلوفاتار، سأعرض عليكم تلكم الأشياء التي غنيتم، لتروا مـا صنعتم. وأنت ميلكور، سوف ترى أني أنا المعين الأسمى لكل لـــــحـن  يعزف، وأن لا أحد يـــقدر على تغيير الموسيقى رغما عني، ومن يحاول ذلك، لن يفعل أكثر من أن يظهر أني الأقدر على ابتكار أروع الأشياء، أشياء لم تخطر على باله حتى هو.
     

   عندها ارتاع الآينور، وهم لم يفهموا بعد ما قيل لهم. أما ميلكور، فقد امتلأ بخزي تمخض عنه غضب مكبوت. لكن إيلوفاتار ارتفع في وقار، مغادر الأماكن الجميلة التي أوجدها للآينور، متبوعا بهم.

    لكن عندما وصلوا إلى الخواء قال لهم إيلوفاتار:
 تأملوا موسيقاكم!
                                     
  وأراهم رؤية، معطيا إياهم منظرا يشاهدونه، بينما كان الأمر قبل ذلك استماع أصوات فقط. تجسد أمامهم عالم جديد، قاحلا، متكورا وسط الخواء، موجودا في ذلك المكان لكنه لم يكن من طبيعته. وبينما كانوا يشاهدون ويتعجبون، بدأ هذا العالم يريهم تاريخه، وبدا لهم أنه حي وينمو.
وبينما حدق الآينور لمدة وهم صامتون، قال إيلوفاتار مرة أخرى:

تأملوا موسيقاكم! هذه هي أغنيتكم، وكل واحد فيكم سيجدها محتواة هنا، وسط هذاالتصميم الذي أريكم، كل الأشياء التي قد تبدو أنه ابتكرها أو أضافها. وأنت ميلكور، ستجد كل فكرة سرية في عقلك، وستدرك أنها ليست إلا جزءا من الكل، ورافدا من  روافد المجد.

   قال إيلوفاتار الكثير من الأشياء في ذلك الحين، وبفضل حفظهم لكلماته والمعرفة التي
تحصل عليها كل واحد منهم من خلال الموسيقى التي صنعها، أصبح الآينور يعرفون الكثير مما كان، وما هو كائن، وما سوف يكون، وقليلة هي الأشياء التي لم يروا. لكم هناك أشياء لا يمكنهم رؤيتها، فرادى كانوا او مجتمعين. ذلك أن إيلوفاتار لم يكشف كل ما كان مخبئا إلا لنفسه. وهكذا كان في كل حقبة أمور جديدة وغير متنبئ بها لأنها مستقلة عن الماضي.

    وبينما كانت هذه الرؤيا للعالم تتجسد أمامهم، رأى الآينور أنه يحوي أشياء لم يفكروا فيها، ورأوا في دهشة قدوم أبناء إيلوفاتار والمسكن الذي كان يعد لهم. وأدركوا أنهم أنفسهم، من خلال جهدهم في الموسيقى، كانوا مشغولين في تحضيره. ولم يعلموا حينها أن الموسيقى لها غرض آخر غير جمالها.

    ذلك أنه لم يعلم عن أبناء إيلوفاتار أحد خلا إيلوفاتار نفسه. وقد أتوا مع اللحن الثالث ولم يكونوا مع اللحن الذي قدمه في البداية. وبذلك لم يكن للآينور دور في الإتيان بهم. ولهذا كلما نظروا إليهم كلما زاد حبهم لهم، كونهم يختلفون عنهم، غرباء وأحرار. وفيهم رأوا تدبير إيلوفاتار ينعكس من جديد، وزادت معرفتهم بقليل لحكمته التي كانت خلا ذلك خفية عنهم.

  الآن أبناء إيلوفاتار هم "الجن" و"البشر": الإبن البكر والتابعون. ووسط عظمة العالم تلك، وشساعة ممراته وفضاءاته، ونيرانه الدائرة حول نفسها، إختار إيلوفاتار مكانا لمسكنهم في أعماق الزمان ووسط النجوم التي لا تحصى. وقد يبدو هذا المسكن شيئا لا يذكر لمن يرى عظمة الآينور دون حذقهم الرهيب: كمن يأخذ كل أرض آردا كأساس لعمود يرتفع مخروطيا ليصل إلى قمة أدق من الإبرة، أو كمن يأخذ بالإعتبار سعة العالم اللانهائية، والذي لا زال الآينور يشكلونه، دون الدقة المحكمة التي يشكلون بها الأشياء هناك.

   لكن عندما عاين الآينور  هذا المسكن في رؤية، وشاهدوا أولاد إيلوفاتار يقومون هناك، عندها انحنى الكثير من عظمائهم بأفكارهم ورغبتهم نحو ذلك المكان ، وفي هذا كان ميلكور سيدهم حتى وإن كان في البداية أعظم الآينور الذين شاركوا في الموسيقى. وقد زعم في البداية، حتى لنفسه، أنه يرغب في الذهاب هناك وأن يرتب كل شيء من أجل مصلحة أبناء إيلوفاتار، وأن يتحكم في اختلاجات الحرارة والبرد التي مرت من خلاله. لكن رغبته الحقيقية كانت إخضاع الجن والبشر له، حاسدا ما وعد إيلوفاتار بإعطائهم، وتمنى لنفسه أن يكون له تابعون وخدم وأن يطلق عليه لقب "لورد"، وأن يكون السيد فوق كل رغبة أخرى.

   لكن الآينور الآخرين استوعبوا هذا المسكن الكائن وسط الفضاءات الواسعة للعالم، والذي يطلق عليه الجن إسم آردا، الأرض. فامتلأت قلوبهم بالغبطة وأعينهم التي كانت تراقب ألوانا كثيرة بالسرور. غير أنهم بسبب هدير البحر، شعروا بهاجس شديد.

   راقبوا الرياح والهواء والعناصر التي يكونت منها آردا، من الحديد والصخر والفضة والذهب ومكونات كثيرة. غير أن أكثر ما أبهرهم هو كل هذا الماء. وقد قال "الإلدار"* أن صدى موسيقى الأينور موجودة في الماء أكثر من أي عنصر آخر في الأرض. وقد أصغى الكثير من أبناء إيلوفاتار دون اكتفاء إلى موسيقى البحر، لكنهم رغم ذلك لم يعرفوا سبب استماعهم إليه.

   والآن ركز الآينور الذي يطلق عليه الجن إسم "أولمو" أفكاره على الماء. وبأعمق ما يكون، أخذ أوامره من موسيقى إيلوفاتار. لكن "مانوِه"، وهو الأنبل بين الآينور، كان جل تفكره في الهواء والرياح. وفكر "آولِه" بالأرض ومكوناتها. وقد منحه إيلوفاتار قوة ومعرفة تكاد تضاهي تلك التي منحت لميلكور. لكن بهجة آوله وإعتزازه الحقيقي كان في الإبتكار وفي الأشياء التي يبتكرها، ولم تكن في السيطرة والتملك ولا في ميدان تفوقه وتسيده. لهذا فهو معطاء ولا يكنز شيئا، ولا يقلقه شيء، ودائما ما يمر إلى شغل جديد.

   وقد خاطب إيلوفاتار أولمو فقال له:
 ألم تعلم أن في هذه المملكة الصغيرة في أعماق الزمان، قد شن ميلكور الحرب على قطاعك؟ لقد ظنه ذا برد قارس مفرط. ورغم ذلك، لا هو أفسد نافوراتك ولا عكر أحواضي الصافية. راقب الثلج وما يفعله الصقيع! ما أتى به ميلكور من الحر والنيران الملتهبة لم يكبح سعيك ولا أخضع موسيقى البحر. راقب أكثر الآن علو وتألق الغيوم والسحب المنتقلة من حال لآخر، وأنصت لهطول المطر على الأرض! ففي هذه الغيوم يقربك فنك أكثر من مانوه، صديقك الذي أحببت دائما.
        

فأجاب أولمو:

        حقا! لقد أصبحت المياه أصفى مما تخيل قلبي، فلا أنا أدركت في أعمق أفكاري رقائق الثلج، ولا احتوت كل موسيقاي على هطول المطر. سأسعى لمانوه كي نصنع معا أنغاما أبدية تسرني!
وبهذا كان أولمو ومانوه حلفاء من البداية. وقد خدما دائما وبإخلاص رغبة إيلوفاتار.


    وبينما تحدث أولمو ولا زال الآينور يحدقون في الرؤيا، أخفيت عن أبصارهم ليحل محلها ما بدا أنه شيء جديد على إدراكهم: الظلام الذي لم يعرفوه إلا في خيالهم.
  لكنهم أصبحوا مفتونين بجمال الرؤيا، ومأخوذين بالكشف عن العالم الذي أتى إلى الوجود هناك. ولأن التاريخ كان ناقصا، وعجلة الزمن لم تكتمل عندما أخفيت الرؤيا، فقد امتلأ تفكيرهم به. وقد قال البعض أن الرؤيا توقفت قبل تحقق سلطان البشر وتلاشي الجن. وبهذا، ورغم اكتمال الموسيقى، لم ير "الفالار"**العصور الأخيرة أونهاية العالم.
----------------------------------------------------
*الإلدار: الإسم العام للجن في الأرض الوسطى..
**الفالار:تلك القبيلة من الأينور الذين فضلوا دخول الأرض وتسييرها على البقاء عند إيلوفاتار..

الثلاثاء، 15 مارس 2016

السلماريليون (ترجمة عربية)




آينولينداله 

موسيقى الأينور*

   كان هناك "إرو"، الواحد**، والذي يطلق عليه في "آردا" إسم "إيلوفاتار".
وكان أول ما أوجد هم "الأينور"، الأفراد المقدسون، الذين كانوا نسل أفكاره وكانوا معه قبل إيجاد أي شيء. وقد خاطبهم، عارضا عليهم ألحانا من الموسيقى، وغنوا في حضرته فأسرّه ذلك.

      لكن ولوقت طويل غنوا منفردين، أو قلة معا بينما أصغى الباقون. ذلك أن كل واحد منهم لم يفهم من عقل 
"إيلوفاتار" إلا الجزء الذي انبثق منه. وكان فهمهم لبعضهم ينمو لكن ببطء. رغم ذلك، بقدر ما أنصتوا، بقدر ما تعمق فهمهم وازداد تآلفهم وانسجامهم.

   فات أن "إيلوفاتار" جمع "الأينور" وأعلن لهم لحنا هائلا، فاتحا أمامهم أشياء أعظم وأروع مما كشف لهم من قبل. عظمة بدايته وروعة النهاية أدهشت "الأينور" لينحنوا أمامه في صمت. عندئذ قال لهم "إيلوفاتار" : 
من اللحن الذي أعلنت لكم، أعزم الآن أن تصنعوا بانسجام معا، موسيقى عظيمة. وبما أني أوقدت فيكم بالشعلة السرمدية، ستعرضون قواكم في تزيين هذا اللحن، كل بأفكاره ووسائله إذا أراد. لكن أنا سأجلس وأصغي، وسيسرني أن من خلالكم، قد أفاق جمال عظيم في صورة أغنية.
  ثم بدأت أصوات "الأينور" في صقل لحن "إيلوفاتار" ليصبح موسيقى عظيمة، وكانت هذه الأصوات مثل قيثارات وأعواد، نايات وأبواق، كمنجات وأرغن، مثل جوقات لا تحصى تغني بالكلمات. وارتفع صوت أنغام متبادلة لا تنتهي، منسوجة بانسجام، حتى أنها تجاوزت مدى السمع إلى الأغوار السحيقة وإلى القمم السامقة، وملأت مقام "إيلوفاتار" حتى امتلأ بها وفاضت عنه، وعبرت الموسيقى وصداها إلى الخواء، ولم يكن خاويا.
  
   لم يصنع الأينور بعدها أي موسيقى مثلها، رغم أنه قد قيل أن موسيقى أعظم ستصنعها جوقة الأينور و"أبناء إيلوفاتار" في حضرته بعد نهاية الأيام. عندها ستعزف ألحان إيلوفاتار بشكلها الصحيح، وتأتي إلى الوجود في لحظة انطلاقها، ذلك أن كل فرد سيفهم سر إيلوفاتار من جهة الجزء الذي أتى منه، وسيطلع الكل على فهم الآخرين، وسيمنح إيلوفاتار أفكارهم النار السرية وهو جد راض عن ذلك. 
   
   لكن إيلوفاتار الآن جلس وأصغى، ولمدة طويلة استساغ ذلك، ذلك أنه لم يكن في الموسيقى أي عيوب. لكن ومع تقدم اللحن، خطر ببال "ميلكور" أن يخرج أمورا من خياله لم تتوافق ولحن إيلوفاتار، ذلك أنه أراد أن يزيد سلطة وهيمنة الدور الموكل إليه.

  إن أعظم مواهب القوة والمعرفة أعطيت لـميلكورمن بين جميع الأينور، وقد شارك إخوانه، علاوة على ذلك، بحصة في قدراتهم كذلك. وقد ذهب وحيدا ولمرات عديدة إلى الخواء باحثا عن الشعلة السرمدية. ذلك أن نار الرغبة كانت تتآكله من الداخل، الرغبة في خلق أشياء من عنده. وقد بدا له أن إيلوفاتار لم يأبه للخواء، ولم يصبر على فراغه. غير أنه لم يجد النار، كونها بحوزة إيلوفاتار. لكن وحدته جعلته يحمل أفكارا تختلف عن أفكار إخوانه.

  الآن أدخل ميلكور بعض هذه الأفكار في الموسيقى، فأحدثت من فورها ضجيجا من حوله، جاعلة الكثيرين ممن يغنون بجانبه خائبين ومشتتي الأفكار مما جعل الموسيقى متعثرة. لكن بدأ البعض بجعل موسيقاهم تساير موسيقاه بدلا من الأفكار التي تلقوها في البدء. عندها انتشر الضجيج الذي تسبب فيه ميلكور بصورة أكبر، فغرقت الأنغام التي سمعت من قبل في بحر من الأصوات العاصفة.

  لكن إيلوفاتار جلس مصغيا حتى بدت له عاصفة هادرة بالقرب من عرشه. كانت كأنها مياه سوداء تحارب بعضها البعض في غضب لانهائي لن يخف أبدا. عندها، قام إيلوفاتار، مبتسما فيما اعتقد الأينور، رافعا يده اليسرى ليبدأ لحن جديد خلال العاصفة، مشابها، ورغم ذلك غير مشابه، للّحن السابق، جامعا للقوة وموسوما بجمال جديد. لكن ضجيج ميلكور علا هادرا مقاوما له، ومرة أخرى كانت هناك حرب أصوات أعنف من قبل حتى أن الكثير من الأينور فزعوا وتوقفوا عن الغناء لينفرد ميلكوربذلك.

  عندها قام إيلوفاتار مرة أخرى، وبدا للأينور تجهم ملامحه، رفع يده اليمنى ثم تأملوا!...لحن ثالث يرتفع وسط الفوضى لم يكن مشابها للألحان الأخرى. بدا اللحن في البداية ناعما وحلوا. مجرد موجات من أصوات لطيفة في أنغام رقيقة لكن لا يمكن قمعها، وكانت توفر لنفسها القوة والعمق.

  وقد بدا أخيرا أن هناك نوعين من الموسيقى تعزفان في وقت واحد قبل جلوس إيلوفاتار، وقد كانتا مختلفتين تماما. إحداهما كانت عميقة ومستولية وجميلة، لكن بطيئة وتحتوي على حزن بالغ، وهو المعين الرئيس لجمالها. أما الأخرى فقد وصلت الآن إلى وحدة خاصة بها، لكنها كانت صاخبة وفارغة ومكررة بلا نهاية مع قليل من الإئتلاف، وكأنها تجمع مزعج للكثير من الأبواق التي تنفخ النزر اليسير من النوتات الموسيقية. حاولت هذه الموسيقى أن تغرق الأخرى في صوتها العنيف، لكن بدا أن أقوى نوتاتها قد انهزمت فحيكت في نسيج نمطها القاسي.

  في خضم هذا النزاع، حيث اهتز مقام إيلوفاتار وتسربت هزة خلال الصمت الراكد، قام إيلوفاتار للمرة الثالثة بملامح قاسية لايقدر أحد على تأملها. رفع كلتي يديه، وفي خط موسيقي واحد، أعمق من الهاوية، وأعلى من السماء، مخترقا مثل وميض عينه، توقفت الموسيقى.

يتبع.............
---------------------------------------------------------------------------------
*الأينور The Ainur الكلمة في الواقع هي جمع لكلمة Ainu لكن تجنبا للارتباك والتشويش في الترجمة سيتم استعمال الجمع فقط.

**الترجمة الصحيحة هنا لكلمة The One هي الأحد، لكن تجنبت ذلك لأسباب واضحة.

  

الاثنين، 7 مارس 2016

موسيقى كلاسيكية -1-

موسيقى كلاسيكية -1-


  إذا قمت بسؤال أي شخص ما هو الشيء الذي يعتقد أن الأوروبيين قد بلغوا فيه قمم الإبداع والعبقرية سيأتيك الجواب من أغلب الناس أن هذا الشيء هو العلم  !! وقد تكون هذه الأغلبية محقة نوعا ما، فمن سيدعي أن هناك أفضل منهم في هذا الميدان سيكون مطالبا بتوضيح موقفه وتقديم حججه، كذلك سيخاطر بالوقوف في وجه الحقيقة التاريخية والبداهة المشتركة بين البشر (Common Sense) وكذلك الأرقام والإحصاءات (ومن يقف في وجه الرياضيات يخسر حتما)..

  لكن الأوروبيين لم يساهموا في الميدان العلمي فحسب، بل قدموا أعظم أعمالهم في المجال الفني خصوصا..فلنفكر بالأمر:
 دافنتشي، مايكل أنجلو، فيفالدي، بوتيتشيلي، باخ، فان غوخ، موزارت، بيتهوفن، هايدن، شوبان، شوبير، شومان، مندلسون، تشايكوفسكي، فاغنر، شتراوس،...والقائمة تستمر.

  ولعلكم لاحظتم أن أغلب الأسماء السابقة هم موسيقيون وهذا هو موضوعنا..

لن نتحدث هنا عن الموسيقى وتاريخها والأمور التقنية المتعلقة بها، بل لن نتحدث إطلاقا، سنستمع فقط لهذه اللغة المفهومة بين جميع البشر على اختلاف ألسنتهم....هذه مجموعة من أعظم المقطوعات الكلاسيكية على الإطلاق:






















   

الأربعاء، 26 فبراير 2014

رد على مشاغبات

رد على مشاغبات


حملني على كتابة هذه الأسطر ما مررت عليه حين قراءتي لكتاب مادسن بيري المعنون "كيف تربح كل جدال" من نقد لحجة المؤمنين العقلية من امتناع تسلسل العلل للوصول إلى موجد أول ليس له علة؛ ففي باب مغالطة (Conclusion which denies premises)  أو النتيجة النافية للمقدمة صفحة 36 حيث يقول :

(( دائما ما تتسلل هذه المغالطة دون دعوة إلى الحجج الدينية؛ فالناس لألفتهم تصور الآلهة كاستثناءات لكل قاعدة، يميلون لاستخدام عبارة "كل شيء" بينما هم يقصدون "كل شيء سوى الله".
مثال : "لابد وأن يكون لكل شيء سبب، والذي بدوره له سبب وهكذا..وبما أننا لا يمكننا التراجع في الأسباب إلى ما لانهاية، نعلم أنه يجب أن يكون مسبب ليس له سبب بدأ كل شيء."
لكن إذا كان لكل شيء سبب، كيف يكون هناك شيء مثل مسبب ليس له سبب ؟
)) ا.هـ


أقول : أوافقه في نقده لهذه الحجة، فهي فعلا منطوية على مغالطة؛ لأن النتيجة تخالف المقدمة وهذا كاف للتدليل على فسادها عقليا. لنرى: (1) لكل شيء سبب + (2) التسلسل ممتنع = (3) وجود شيء من غير سبب تبدأ منه سلسلة الأسباب.
نجد أن (3) تتنافى مع (1) ومنه فساد الحجة....لكن ما هو وجه اعتراضي عليه ؟ فلنر ما يقول بعد ذلك في نفس الصفحة:

(( لهذه المغالطة تاريخ مميز، فقد استعملها كل من أرسطو وتوماس الأكويني وآخرون بصيغ أخرى...ولديها عدة أوجه : المسبب الذي ليس له سبب، العلة الأولى أو حتى المحرك الأول..يمكن صياغتها بعدة أوجه لكنها لا تسلم جميعا من كونها تنطوي على مغالطة. )) ا.هـ
أقول: لم يعرف السيد بيري الصيغة الصحيحة لهذه الحجة، وهذا من حسن الظن مني به، إتباعا لمبدأ الإحسان في الجدال، وهي –كما سيأتي- خالية من المغالطات والعيوب المنطقية، بل العيب والمغالطة تأتي دائما من المعترضين عليها !
يستمر بيري في الصفحة التالية :
(( إن محاولات جعل كائن مقدس الإستثناء المسموح به للدعوى الأصلية عادة ما يكون مصادرة على المطلوب أو إفسادا للحجة...........وتوجد الكثير من النسخ الأكثر بساطة في تداول العامة، ولا تخلو أي واحدة منها من المغالطة:

 "لا يهم كم مرحلة تعود إلى الوراء؛ يجب أن يكون لكل شيء بداية والله هو من بدأ كل شيء"..وهو حسبك أنت لم تكن له بداية !

"لا يمكن لشيء أن يكون أزليا، يجب أن يكون الله قد بدأ كل شيء."...وهو أزلي طبعا ! )) ا.هـ
أقول: الصيغة الصحيحة الخالية من المغالطة هي الآتية :
(1)   لكل حادث محدث (الحادث = ما له بداية بعد أن لم يكن، أي سبق وجوده العدم).
(2)   الكون حادث.
(3)   إذن : للكون محدث.
من أجل دحض هذه الحجة المتينة، لن يجد السيد بيري -ولا غيره- سوى السفسطة والمغالطة. فالعقلاء يقرون بصحة القانون الأول (1)، فلا يمكن أن يأتي شيء للوجود بعد أن كان عدما دون مرجح أو مسبب مستقل عنه، وإنكار هذه البديهية إنكار للعقل وهدم للعلم والمعرفة. أما المقدمة الصغرى (2) فلها أدلتها الكثيرة والوافرة من بينها الإنفجار الكبير The Big Bang وأيضا القانون الثاني للديناميكا الحرارية...إلخ؛ ومن هاتين المقدمتين نصل إلى نتيجة منطقية (3) ليس بها خطأ مطلقا: للكون محدث.
الآن، محدث لا تعني بالضرورة أنه حادث بدوره، فإذا افترضنا جدلا أن محدث الكون حادث بدوره لم نقم في الحقيقة سوى بالتراجع خطوة للوراء، لأن الرجوع إلى مالا نهاية من المحدثات الحادثة بدورها ممتنع عقلا. وهكذا نصل حتما إلى محدث غير حادث واجب الوجود عقلا.

سأترك الرد على بعض الاعتراضات لمقال آخر نثبت فيه بفضل الله أن الله هو واجب الوجود وهو العلة الأولى، بل العلة الحقيقية لكل شيء.
هذا وإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ... والله أعلم.